
يتحدد مستقبل الثورات العربية الجارية حاليا على خلفيتها الفكرية البنيوية التي تقف وراءها، فأي مرجعية تتحد عليها الجموع المحتشدة والتي ستحتشد في ساحات الوغى السلمية ضد أنظمة الفساد ورعاية المصالح الدولية؟ ... فلاشك أن الشباب العربي اليوم الواقف ضد أنظمته الدكتاتورية، لم يعد همه مجرد البحث عن "الخبزة" فحسب، بل صارت المسألة عنده أن يحكم نفسه بنفسه، أن يبقى يقظا إلى آخر عمره يراقب مسارات ثورته ومآلاتها، لقد تعلم الدرس جيدا ولم يعد يفيد تنويمه بطلاءات جديدة لأنظمة قديمة.
لذلك كان السؤال عن المرجعية هو الوجه الثاني للسؤال عن طبيعة المستقبل الذي تريده جميع الشعوب العربية، فماهي المثل التي من أجلها صار الشباب - في تونس ومصر مثلا- لا يتوقفون عن المناداة بالرحيل الكامل للنظام كله؟
إن الخلاصة التاريخية التي تجتمع عندها الثورة العربية الجارية تتكون من نموذجين لا ثالث لهما، الأول هي الثورة المحمدية التي نادت إلى التوحيد العقائدي والتحرير الاجتماعي، تحرير المظلومين من النظام الطاغي المستبد المكون من شرفاء مكة، فكان نداء السماء مستوعبا تماما للحاصل على أرض الواقع، و ذلك نزل الوحي بهدف القضاء على الظلم؛ وكذا تماما مثلما اجتهدت الأفكار التنويرية في أوروبا لتحرير الخدم والعبيد داخل الإقطاعيات إلى المجتمع المدني المتحرر، لقد كانت مثل نظيرتها المحمدية في الدفاع عن المستضعفين، وتلك أولى معاني الثورة العربية الجارية.
ثم إن الثورة المحمدية نادت باسم التوحيد الذي له نتائجه الاجتماعية المباشرة في محاربة النظام الفاسد، لذلك فإن تصور التحرير منفصلا عن الموقف العقائدي هو أمر خاطئ، ولو كان ذلك من طرف المنادين ضد النظام، ومن ثم فإنه من الواجب القول بأن البذرة الأساسية لأية ثورة هي مسألة الإيمان التام والمطلق بوحدانية الخالق الذي تتوجه إليه جميع القصود الإنسية، وذلك حتى يحدث الوصل التام بين الغرض الأرضي والغاية السماوية، وإلا فإن خيط الإمداد الأرضي والاستمداد السماوي سينقطعان، إذ يخطئ كل من يتصور أنه باستطاعته لي عنق الثورة لصالحه، فالشباب قد أعلن موقفه الأيديولوجي الصريح في التحرير السياسي والاجتماعي الذي هو في عمقه توحيد إيماني.
فلكل واحد الحق في التصرف فيه، لكن ليس له حق فرض تصوره الخاص على الآخرين، وهنا مكمن انفتاحية التوحيد، فالتوحيد في حد ذاته ليس من صورة واحدة بل هو متعدد تعدد الذوات، وهذا الذي يغيب عن النخب العلمانية التي ترى بين الإيمان ودولة والقانون تناقضا غير قابل للحل، لماذا؟ لأنه يتصور الثورة المحمدية قسرا لجميع الناس على تصور واحد، لكن النص القرآني قد قالها بصريح العبارة "لا إكراه في الدين"، لا إكراه في التوحيد، والإكراه يعني تجاوز الطبيعة الإنسانية في نزوعها نحو التفرد الذي تضمنه له العقيدة السوية، وذلك مدلول المقولة البنبوية عن أن الإنسان المؤمن إنسان عقيدي في الوقت الذي هو فيه مواطن عالمي. هذه هي الخاصية العربية الإسلامية للثورة الحالية، حق الاختلاف يكون ضمن أوسع مجال هو المجال العقيدي ذاته.
ثم إن الثورة المحمدية كانت المفتاح لانطلاق الإبداعات العربية الإسلامية في العلوم والسياسة بغض النظر عن الخلافات الموالية للفترة النبوية وما بعد الخلافة الراشدة، تلك كلها جاءت ضمن إطار الحيوية الحضارية التي استنشقها عرب الجزيرة وبثوا صداها إلى أقصى البقاع، هناك في الأندلس أين تقف الشواهد التاريخي اليوم شامخة على حضارة كانت موجودة هناك دامت لأكثر من سبعة قرون، أطلقها شخص مغمور في البادية العربية هو محمد بن عبد الله، هكذا هي النفحات الأولى لأية ثورة تعد بوقفة حضارية ذات أبعاد قد يصل إليها قلب أفضل المتفائلين.
لذلك فعلى الشباب العربي أن يعلم أن الفضل له ولكنه ربما سوف لن يجني بسرعة النتائج التي ستأتي حتما وتباعا، فمهمته التاريخية الحالية هي أن يوقف الحركة التاريخية العربية الإسلامية الوليدة على رجليها ويضعها في الطريق الصحيح، وهذا أفضل ما يمكن أن يقوم في اللحظة الراهنة، أن يدرك جيدا الموقع الحضاري الذي يقف عليه، إنه بصدد إحداث صدمة ثقافية كبرى لكل مجتمع غير داخل في نطاقه بوصفه صاحب العقد الاجتماعي الجديد كما وضحنا في مقال الأمم العربية المتحدة. هذه الصدمة الحضارية الفعلية التي ستضرب أولا العملاق الغربي بكل أبعاده، سواء كانت المستعمرة الأوروبية في الغرب (أمريكا) أو روما الجديدة المسماة (أوروبا المتحدة)، هي صدمة ستضرب أعماق هذا الإنسان الذي يغط في سبات الرفاهية و"مجتمع السيطرة المسكين" الذي بقي بلا معارضة وأهدا تجدد له شريانه الحضاري، ولعلها اللحظة العربية التي كان يحث إليها كبار المفكريين الغربيين، وذلك لكون الغرب فقد كمونه الحضاري ولم يعد يهدي إلا إلى التاريخ الطبيعي بعد أن استكمل سعيه في التقدم بالتاريخ الخلقي، وذلك عرف من أعراف السنن الحضارية، فما أن تنهي حضارة كمونها الحضاري الذي تدخره له الأجيال الأولى حتى ترفع الحضارة الأكفأ اللواء، وذلك في الوقت ذاته صدمة ثقافة لكل الأمم الساعية للقيام بدور الفتك بالعالم العربي الإسلامي، أعني الأمم الساعية لافتكاك مكانة أمريكا وافتكاك مكانة الإسلام المستقبلية، فهاهو العملاق النائم يستيقظ على حين غفلة من الدهر ليقول ها أنا ذا.
يستقيظ إذن ما يفترض أنه عملاق نائم ليعطي مسحته الثقافية للتاريخ الخلقي الراكد، منطلقا من عمق تاريخي حضاري مملوء بالمعاني ومشبع بموروث توحيد لم تكن النشازات التي تتكلم باسمه إلا من سقط التاريخ الطبيعي ضمن الحضارة الغربية ذاتها. ثم إذا كانت الثورة المحمدية الأقرب إلينا ثقافيا، فإن الثورة الفرنسية، أعني ثورة جميع الأوروبيين على الإقطاع هي الأقرب إلينا تاريخيا وعلينا أن نفيد منها بما هي قريبة إلينا روحا وحتى أرشيفيا...
فهي إذن رمز تحدّي الأنظمة الحاكمة والاستعباد، والفئة القليلة المستكبرة في البلاد، فقد كانت بدايتها أفكارا علمية تخرج على حياء حوكم أحد روادها وأعدم الآخر حرقا، فانتهت بالتأسيس الفلسفي لمبدأ الفردية هذا الذي نادى إليه ديكارت في الكوجيتو وكانط في مقال التنوير، فانتهى في الأخير إلى قيام اقتصادي سياسي واجتماعي، أنجزته نخبه التنويرية على كل الأصعدة النخب التي تكلمت وفعلت انطلاقا من هموم الناس اليومية، ولعلنا قد أتممنا المرحلتين الأوليين في التأسيس الفلسفي والفكري للنهوض الذي ما يزال جاريا من قرنين أويزيد، فهاهي الثانية تأتي في إطار الثورة السياسية والتغيير الذي سيحضر بدوره للاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي التي تشترط الاستقلال السياسي المبني على التحرر من التبعية لأي كان. وهنا وجب إذن التأكيد على النخب التي ستتولى الريادة ضمن الحراك السياسي الموالي للثورة العربية.
نخب وجب أن تنبثق عن الشعب، الذي يعيش همومه اليومية في بلده، حتى تكون هي المتمكلمة باسمه والعاملة لأجله، بهذه الطريقة، السؤال الآن عن الآليات التي يتنتخب بها النخب المستقبلية المفترضة، وهنا سيكون الأمر مفصليا، لأن الشعب هو من سيقرر ذلك.