للإصلاح كلمة تتعلق بالهرج والمرج اللفظي في قضية (ولد لمخطير المسيء)

محمدو بن البار
24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016


كلمة الإصلاح هذه المرة تريد أن تدلي بدلوها في هذه القضية التي تعنون هذه الأيام بقضية (ولد لمخطير المسيء). هذه القضية أصبحت قضية خطيرة على كل الجبهات فقد آلت إلى وجود دفاع عن مرتد أو ساب للرسول صلى الله عليه وسلم أو هما معا، وفي نفس الوقت آلت إلى وجود مسلمين يطالبون بقـتل نفس كانت مسلمة وهم ليسوا من حققوا مع صاحب المقال المسيء، وليسوا هم الجهة المطالبة شرعا أمام الله أولا في عدم وجود مثـل هذا المسيء في المجتمع، وثانيا هي المسؤولة وحدها عن تـنفيذ الحكم بعد حكم القضاء عليه بالإدانة، وأظن أنه بعد قراءة ما يأتي سيتضح المراد قوله في هذه القضية.

وكلمة الإصلاح لم تدلي بدلوها في القضية نـتيجة علم تعرفه في عمق الموضوع بل ليس لها أثارة من علم توضح بها الموضوع أكثر فأكثر، ولكنها ستساهم بكتابة ما علم من الأحكام الضرورية من الدين في نوع هذه القضية، سواء عن الدفاع عن المرتد أو الساب وسواء عن ماذا يعنى المجتمع في هذا المقال بعد صدوره من صاحبه.

فالواقع أن من قرأ المقال المسيء سيتبادر إلى ذهنه أن صاحبه ملحد بمعنى أنه لا يؤمن بالدين أصلا حتى يترتب على ذلك احترام ما يحترمه الدين وبذلك أصبح مباحا عنده نـقد كل ما يضاف إلى الدين من ما يتماشى مع ذوقه في الحكم له أو عليه.

فهو يفرق بـين الدين والتدين فهو ينسب الأخطاء إلى الدين الذي هو الأصل ويقول ما يشبه تبرئة التدين لأنه مكتسب من الدين الذي أصبح هو غير مقـتـنع بوجود خالقه وهو الإله ولا بمن أرسله هذا الإله بكتاب يهدي البشرية إلى التي هي أقوم وهو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإذا كانت هذه النظرية صحيحة في المقال فهو كافر بالدين وهو الذي يطلق عليه ملحد في الدين والملحدون يكفي ما قال لهم الله جل جلاله إن الذين يلحدون في آياتـنا لا يخفون علينا.

واصطلاح الفقهاء هو أن المرتد تـقال لمن بدل دينه بدين آخر لأن الحديث "من بدل دينه فاقـتـلوه"، أما الكفر صراحة بعد الإيمان فيوجد فيه نص قرآني آخر وأنه لا تـقـبل توبته ولكن بعد الكفر في المرة الثالثة يقول تعالى إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تـقبل توبتهم وأولئك هم الضالون وتفسرها آية أخرى إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغـــفـــر لهم الخ الآية.

فالمتـتـبع لكلام الملحدين ولا سيما من العرب سيجد نفس كلامهم مترجم في نفس المقال وكأنه ينسخ على منوالهم ويدخل في كتابته فقط الغرض به عنده وهو دفاعه عن شريحة معينة، فهو لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا باسمه العلم دون ذكره برسالته ودون الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وهذا الأسلوب وهذه الملاحظات على أفعاله صلى الله عليه وسلم في سيرته البيضاء الذي يركز عليه دائما الملحدون هو نفسه الذي استعمل صاحب المقال.

ومن ما يؤكد جنوحه في مقاله إلى الإلحاد دون الردة إلى دين آخر أنه فرق بين الدين والتدين كما قـلنا سابقا بمعنى أنه يحمل الدين وهو عنده من أمر بالدين وهو الله جل جلاله كذلك من أرسله بالدين وهو النبي صلى الله عليه وسلم وبين التدين وهو العمل به بعد تيقن صحته، وأن الأفعال الملاحظة على المتدينين هي مكتسبة من أصل الدين كما قال هذا (الشبل البيظاني) من ذلك الأسد، زيادة على أنه أشار مرة إلى عمق إلحاده بإسناد هذه الأفعال من الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يستـنـكرها هو أنها بأمر من الله لأنه قال عنه المولى عز وجل ((إنه لا ينطق عن الهوى)) بدليل قوله أريد هنا قبل أن أواصل أن أشير إلى أنـنا في سياق الحديث عن النبي فنحن نـتحدث عن ما يمكن تسميته "العقل الشامل" بدليل أنه لا ينطق عن الهوى.

ولا شك أن من قرأ ذلك المقال سيخرج بنتيجة مفادها أنه يحتاج إلى محقق مقـتـدر يجمع بين عدة أمور.

أولا: متمكن من معرفة ما أحدثه الإنسان في هذا الزمن من الأفكار التي تارة تـقود إلى التمرد على الدين سواء كان بالقناعة الشخصية أو التبعية لغيره إلى آخره.

فهذا يحتاج إلى تحقيق وبحث تحليلي لا يمكن أن يتم إلى بمباشرة ذكية من كثرة طرح الأسئلة على المتهم حتى يوضح بعد توبته إذا كان تاب ما هي مدلولات جميع ما أدلى به في مقاله لذا يقول خليـل: "أهل القضاء عدل ذكي مجتهد وإلا فأمثـل مقـلد"، وكلمة عدل ذكي تعنى أن الذكاء وهو المعرفة الدقيقة للأشياء عن طريق تحليلها تحليلا علميا هو الذي يتولى هذا التحقيق المطلوب في الإسلام وهو استخلاص النصوص التي تدل عليه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه ماعـز وهو بالغ وفي كمال عقله وقال قولته الشنيعة التي لا يرضاها صلى الله عليه وسلم لأحد من أمته أعرض بالتفاته عنه على بجميع الجهات وهو يتبعه ويكرر عليه قولته الشنيعة ثم استـفسر النبي صلى الله عليه وسلم لعل أن يكون ما فعل دون ما قال فأصر على ما قال مع أن ما قال حده الموت بالحجارة وهو أشد من الموت بالرصاص حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من يفـتـش عقله إلى آخر ما هو معروف في هذا الصدد ومنه أذهب إلى امرأة هذا فإن اعـترفت فأرجمها بما قيل عنها من الزنا أي بعد الاعتراف به.

ومعنى هذا نحن المسلمين سلطة وشعبا عندما خرج هذا المقال علينا قـبل كل شيء أن نـفـتش ونبحث عن ما أوجبه الله عـلينا في الموضوع وهو ينـقسم إلى ما على السلطة أن تفعله وما على الشعب أن يفعله.

فالسلطة عليها أن تـلقي القبض فورا على المعني وتعين له قاضيا يعرف المعاملة والتحقيق في هذا النوع من المقالات مستحضرا الملابسة الزمانية والمكانية والشخص القائـل إلى آخره.

أما نحن المسلمين فعـلينا أن نـستـنكره بما أمرنا الإسلام به من الاستـنكار وهو هنا بالقلب واللسان بدون أي تصرف قـبل أن يصدر الحكم النهائي على المتهم حتى ولو صدر الحكم فإن التـنفيذ أسنده الشرع إلى جهة لا يجوز لافـتيات فيه عليها ولكن مع ذلك علينا أن تقوم بالوسائل التي يسمح لنا بها الشرع في الإرشاد الدائم للحكومة بأن عليها القيام بتحصين المجتمع المسلم عن كل فعـل ما لا يرضي الله وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة.

وأيضا فعـلينا أن نحصن أنفسنا من نزغات الشيطان التي لا يهدأ له بال لعنه الله حتى يزين للمسلم إما الإفراط أو التـفريط في المسائـل حتى لا يسلك فيها الطريق المستـقيم الذي يقـعد هو فوقه لئلا يسـلكه المسلم.

ومن هنا نصل إلى قضية الدفاع عن المرتد أو الساب للرسول صلى الله عليه وسلم:

أولا: فمبدأ المحاماة من حيث أنها محاماة عن كل مسلم كان مجرما إجراما ظاهرا أو غير مجرم كما هو شأن المحاماة الآن فهذا لا يجوز شرعا ولو سكت عنه جميع العالم لأن الله تبارك وتعالى يقول ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ويقـول: ها أنتم أولاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

ونـتيجة لهذه النصوص لا يجوز مبدئيا الدفاع عن المجرمين ولا على الخائـنين وكاتب المقال قطعا أنه من الخائنين للإسلام في كلامه المتبادر منه ولكن قبل التحقيق معه لا نعرف ماذا سيقول المحقق عن فحوى ذلك المقال، ومن هنا يجب انـتـظار التحقيق لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهي أصحابه عن لعن المتهم الذي انهالوا عليه بالضرب بالنعل وغيره عندما رأوه سكرانا مع أن الإسلام أباح نوعا من المحاماة أو إيصال الحجة إلى القاضي لمن لا يقدر على ذلك فيقول تعالى فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فـليملل وليه بالعدل.

وكلمة العدل هنا لها معناها لا يكون مدافعا لغرض آخر مثـل القرابة والجهوية الخ يقول تعالى فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون.

فإن كان المدافع قبل الحكم يريد أن يـبلغ حجة شرعية لا يستطيع المتهم أن يـبلغها للأسباب المتقدمة فما المانع من ذلك في الشرع، وأما المحاماة السائدة في هذا العصر فهي التي تـنبأ بها الرسول صلى الله عليه وسلم أنها ستكون من الأمور التي سنـتـبع فيها سنن من قـبـلنا شبرا بشير وذرعا بذراع، وهم اليهود والنصارى كما فسره ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه هذا حتى لو دخلوا جحر ضب لدخـلناه.

وغير هذا النوع من المحاماة هو الذي نهى عنه القرآن في قوله تعالى ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتاكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون، كما نهي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند التقاضي أمامه هو نفسه فقال: "أيها الناس إنكم تختصمون لدي ولعل أن يكون أحدكم ألحن في حجته من بعض فأقضي له حسب ما أسمع فمن قطعت له شيئا من حق أخيه فإنما قطعت له قطعة من النار.." أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

وبناء على ذلك فإن المحاماة التي يتـيـقن صاحبها أنه سيقف أمام ربه في شأنها ويسأل عن نفس ألفاظها مع إظهار ما في نيته على الشاشة أمام الجميع فإن سلمت النية والعمل وكان طبقا لشرع الله فأين عدم جواز المانع من ذلك الدفاع.

أما قبول توبة المرتد في الشرع وتأخيره ثلاثة أيام رجاء لتـلك التوبة وعدم قبول توبة الساب للرسول صلى الله عليه وسلم فإن الاختـلاف في القضيتين سببه مرجعية كل منهما، فقبول توبة المرتد منصوص عليها في الحديث وأما عدم قبول التوبة فهي اجتهاد من أئمة المذاهب.

وكما هو معلوم فإن معنى المذهب هو ما ذهب إليه أي إمام من الأئمة من الأحكام الشرعية التي لا نص فيها من الكتاب ولا من السنة لأن نصوص هذين الأصلين محدودة والوقائع التي تسير بها حياة البشر من نزول الوحي إلى آخر الدنيا لا تـنـحصر.

وتارة يكون هذا الاجتهاد مبـين على خلاف في اللغة على عبارة جاءت في إحدى النصين أعلاه ويفسرها كل إمام حسب تمكنه من كلام لغة العرب.

وقد كان للإمام مالك اليد الطولى في الفهم وفي إحداث تلك القواعد التي استخرجها من فهم للنصوص المقدسة وهي كثيرة.

ومن تـلك القواعد "سد الذريعة" وهي إصدار حكم باجتهاد يمنع القضية الفلانية أو يبـيحها لأن منعها أو إباحتها ولو بلا نص تؤدي إلى مفسدة مثـل: حرمة المنكوحة نكاحا سبقـته خطبة في العدة، كـما قال خليل: "وتأبـد تحريمها.." إلى آخر النص.

هذه القواعد التي يستـنبطها الأئمة بحثا عن المصلحة العامة، مثـل المصالح المرسلة إلى آخـره لا بد من تطبـيقها قضائيا أن يكون المطبق لها هو الآخر يدرك بفـطنـته أن هذه القضية ينطبق عليها القاعدة التي أسست عليها تماما ولم يطرأ أي طارئ لا زماني ولا مكاني ولا مصلحة أخرى تكون أولى رعايتها من المصلحة التي تأسس عليها مصدرها.

وهذا معناه أن استـنـكار الفعل أو القول بأشد الاستـنكار في واد والمطالبة بحكم خاص في الموضوع في واد آخر.

فالاستـنـكار مبني على السماع والحكم مبني على فحص الوقائع من جميع جوانبها.

وعليه فإن على المسلم أن يعرف أن النصوص الشرعية هي التي عليه أن يكيف معها انفعالاته ارتفاعا وخفضا لأن تـلك النصوص هي التي ستـقع عليها المحاسبة غدا بين يدي الله.

فأهل النار وأعوذ بالله منها ومنهم ومن حالهم عندما يـلتـفتون على الملائكة قائلين ادعو ربكم يخفف عـنا يوما من العذاب، تجيـبهم فورا بقولهم: ألم تاتكم رسـلكم بالبـينات، (ورسلكم فقط) هذه المحاورة لا تـكليف فيها ولا بعدها ولكن قـبلها.

فإذا قام الموريتانيـون باستـنـكار ذلك المقال المسيء حقا وطلبوا إنزال عقوبة الشرع بصاحبه وتركوا بين عقوبة الشرع عـند القاضي الشرعي والمتهم فقد استبرءوا لدينهم في نظري وسيتمسكون بمعنى هاتين الآيتين: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين وقوله تعالى ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتـقوا الله إن الله خبـير بما تعملون.

جميع الحقوق محفوظة لموقع المدى - 2011
Hacen Website design + SPIP