الطبقية في موريتانيا .. ظروف وملابسات التشكل

10 أيلول (سبتمبر) 2016


الطبقية في موريتانيا .. ظروف وأسباب تشكلها

1 ـ نشأة الطبقية وأسبابها: يرجع معظم الباحثين نشأة الطبقية في المجتمع الموريتاني العربي إلى القائد المرابطي أبو بكر بن عامر حيث أورد أكثر من واحد واقعة توزيعه أصحابه إلى ثلاث فئات: فئة طلب منها الذهاب معه للجهاد، وأخرى طالبها بالبقاء للاهتمام بأمور التعلم واحياء شعائر الدين، فيما خصص الفئة الثالثة للاهتمام بأمور الماشية والنخل اللذين كانا عماد الاقتصاد في ذلك الوقت.

وهكذا عد الباحثون بن عامر السبب في الألقاب التي اشتهرت بها في وقته وفيما بعد معظم تلك الفئات بحسب الأدوار التي تمارسها: مثل الانباط (العرب لاحقا)والزوايا واللحمة وآغزازير وآمكاريج والرعيان.

واذا كانت نشأة الطبقية في مجتمعنا تعود بجذورها الأولى الى العهد المرابطي فان دخول بني حسان وسيطرتهم قد عملت هي الأخرى على تثبيت دعائم هذا النظام والتمكين له من جديد وبصورة أكثر تجذرا بحيث انتهى الامر إلى إقرار الطبقية القائمة على منح مركز الصدارة لأرباب السيف والقلم إضافة إلى توسيعها لتشمل طبقات جديدة ممثلة في صاحب الحانوت وسادن المزمار.

ولا يقتصر الامر على منطقة الكبلة حيث جرت حرب شرببه الشهيرة والتي ارست ذلك النظام الاجتماعي الذي نتحدث عنه والذي يجذر لطبقية صارمة وذلك بموجب وثيقة الصلح التي أسست لاحتكار فئة العرب للسلاح على حساب فئة الزوايا التي تم تجريدها منه وحظر حمله عليها الامر الذي قاد أصحاب هذه الفئة الى طلب المجد والاعتراف الاجتماعي من خلال الاهتمام بأمور أخرى أبرزها العلم والدين ورعاية القيم جامعين بينها وبين تنمية الماشية والتجارة.

ومهما يكن فان الذي يتضح بجلاء للباحث ان نظام الطبقية في موريتانيا إنما فرضه بالأساس ضرورة تقاسم الأدوار والمهام، كما فرضته كذلك مقتضيات الاقتصاد البدوي اكثر من أي شيئ آخر، حيث يقوم الهدف الرئيسي والغاية من هذا النظام على تقاسم الأدوار والاعباء التي يحتاجها المجتمع في أمنه وحاجاته المادية والروحية من جهة، وعلى أن يتم ذلك وفق صيغة تسمح بتعميق الخبرة ومراكمة نظام الاسرة حيث يرث الابن مهنة وطبقة الوالد من جهة أخرى.

وقد سمح المعطى الأخير بحفظ وتطوير المعارف والمهارات سواءا تعلق الأمر بالفروسية او التعلم أو انتاج الاواني او تربية الماشية أو الابداع الادبي والموسيقي، وهوما مكن من نقل المعارف والخبرات من جيل لجيل بهدف تلبية مختلف الحاجات وجعل تناقل تلك المعارف والخبرات قائما على العامل الاسري والقبلي وذلك في مكان لم يكن يتوفر على وسيلة أخرى لتداول المعارف وتطويرها.

2 ـ كيف تطور النظام الطبقي:

يمكن ان نلاحظ أن النظام الطبقي قد توسع عبر الزمن في اتجاه يسمح بتوسيع مجال الدلالة الخاصة بالمفردات الطبقية حيث تطور مفهوم الزاوي مثلا في اتجاه تسميتين جديدتين أحداهما(زاوي الظل) وتخص المشتغل بالعلوم وتارك السلاح، والأخرى (زاوي الشمس) وهي تخص الشخص الذي يجمع بين حمل السلاح والاشتغال بالعلوم.

كما تطور نفس النظام الطبقي في اتجاه السماح بتغيير الأدوار وتبديلها، أو تقسيم القبيلة الواحدة على أساسها وان كان ذلك قد تم نطاق محدود جدا كما هو الحال مع قبيلة اركيبات مثلا التي انتقلت من قبيلة زاوية إلى احدة اقوى القبائل المحاربة شكيمة وتمثلا لفنون القتال، وكذا الظاهرة المعروفة ب"التوبة" حيث يطلق مصطلح "التياب" على مجموعة المحاربين الذين ينتقلون من حمل السلاح الى طلب العلم والانقطاع عن ما سواه.

وربما يكون المثال الأبرز على تقسيم القبيلة الواحدة على أساس ثنائية السيف والقلم الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة هو قبيلة أولاد الناصر التي يوجد من بينها من يحمل السلاح ويركن اليه، فيما يوجد من بينها كذلك المشتغلون بالعلوم الزاهدين في الفروسية وقيمها.

وقد لا نجانب الصواب اذا اعتبرنا ان نظام الطبقية في المجتمع الموريتاني العربي عكس الى حد كبير المناحي الأساسية والادوار الرئيسية التي تتطلبها البيئة البدوية التي كان يعيش فيها لقرون قبل الاستقلال حيث الأمر يخص مجتمعا ظاعنا يقوم اقتصاده على تربية المواشي وتعهدها حيث يعد الزوايا فيه هم (المستثمرون) واللحمة والارقاء بمثابة اليد العاملة، فيما يتولى (العرب) مهمة توفير الجو السياسي والامني المناسب لقيام وازدهار هذا النشاط الاقتصادي .

وقد بقي النظام الطبقي وفيا للتقليد المرابطي الذي يمنح الاعتبار على أساس المنزلة السياسية(الأمير) وكذا المنزلة الروحية (الفقيه)، وهو جانب استطاع المرابطون ان يتركوه ماثلا في النظام الاجتماعي القائم بعدهم كما وجد معهم في النظام السياسي وذلك في التجربة التي جمعت الأمير يحيى بن إبراهيم والفقيه عبد الله بن ياسين، وتلك التي جمعت الأمير أبو بكر بن عامر والامام الحضرمي، اما ما تبقى من فئات أخرى فهي تظل مجرد ديكور او مستلزمات لترسيخ هذه الصورة وتنميتها.

3 ـ المكونات الأساسية: وعموما يمكن اعتبار النظام الطبقي في موريتانيا وفق صيرورته التي طبعها وميزها نوع من الجمود حيث لم يطرأ عليها حتى الآن كبير تغيير قد قامت على هرمية تم توزيع الأدوار والعناصر على مستوين:

أولا ـ مستوى عمودي:

وهو الخاص بالدور او الوظيفة التي تضطلع به المجموعة ويتوزع على أساسه المجتمع على : أ ـ عرب : يتولون مهام الامن ورد الاعتداء عن المجال الأميري .

ب ـ زوايا: ويجمعون بين الاشتغال بالعلم وامور الإنتاج من تربية مواشي وتجارة.

ج ـ لحمة: ويختصون بتربية الماشية على ان يكونوا داخلين تحت حماية احدى المجموعتين السابقيتين.

د ـ امعلمين: ويتولون توفير المعدات والمستلزمات التي تتطلبها مختلف الأدوار والحياة البدوية وهم من حاشية الزوايا.

هـ ـ اكاون: وهم من حاشية العرب ويستخدمون فنهم في تمجيد قيم الفروسية والمروءة,

و ـ الارقاء: وهم الذين يعيشون في كنف الطوائف السابقة ويسخرونهم لمشيئتهم دون مقابل.

ثانيا ـ مستوى أفقي:

فرضه على ما يبدو ضرورة التوزع لتغطية مجمل المجال الترابي للبلاد ووفقا له تنتظم عناصر المجتمع في:

أ ـ امارات : لكل منها مجالها الترابي المحدد واميرها الخاص وقبائلها المحاربة والزاوية وأسرها الفنية وفقا للتراتبية الطبقية السابقة.

ب ـ قبائل : وتوجد داخل كل امارة ويلاحظ فيها ان القبيلة تكاد تكون مقصورة على الطوائف الثلاث : العرب والزوايا أما الباقي من التشكيلة الطبقية كاللحمة والارقاء وايكاون ولمعلمين فيتبع للقبيلة التي يحسب عليها.

4 ـ خلاصات واستنتاجات:

نسجل في نهاية هذه المداخلة جملة من الخلاصات والاستنتاجات نورد أهمها:

ـ تسجيل الاستغراب من بقاء هذا النظام الطبقي بصورته التي انتجها اقتصاد البادية القائم على تنمية المواشي والسكن في الخيام وذلك بالرغم من انهيار هذا الاقتصاد في السبعينات القرن العشرين وما تبعه من هجرة الناس الى المدن عن المناطق التي احتضنت هذا النظام.

ـ ان النظام الطبقي وان كان في الأصل قد اريد به الخير أو هدف الى التوصل به اليه كوسيلة (مع ضرورة التنبيه لتعسفه الصارخ تجاه اللحمة والارقاء) قد تحول الى شر مستطير بفعل تمجيد بعض الادوار فيه على حساب ازدراء الأدوار الأخرى برغم أهميتها للمجتمع( لننظر الى وظيفة المعلم بالمقارنة مع المحارب فهي تضاهيها في الأهمية حيث يصنع له سلاحه ويؤمن للمجتمع جميع ما يحتاج من أدوات ومنتجات ، ونحن نعتقد ان الدعاية هي التي خذلت المعلم في الترويج لأهمية دوره كما فعل كل من العربي والزاوي).

ـ هناك محاولة غير موفقة لجعل هذا النظام يتكيف مع ظروف الدولة الحديثة واعطائه بالتالي دورا في تسييرها من خلال محاصصة الوظائف والمنافع السياسية، وهي محاولة لا بد أن تستنفد مع الوقت حيث أن يراد لهذا النظام التكيف مع ظروف غير التي صنعته وافرزته.

ـ علينا ان نسجل أن المستقبل هو لنظام اكثر عدالة يجد فيه الشخص الاعتراف الاجتماعي على أساس عطائه ودوره وليس على أساس اطر بالية تعود لازمة أكل الدهر عليها وشرب، وان التأخر في زوال نظام الطبقية السابقة لا يعود الى قوته ولا الى مثاليته بقدرما يرجع إلى عدم وجود اطار بديل للعدالة الاجتماعية بمفهومها المعاصر القائم على المساواة وتكافؤ الفرص.

محمد بابا موهدا باحث موريتاني

جميع الحقوق محفوظة لموقع المدى - 2011
Hacen Website design + SPIP