
صحيح ان الاقتصاد الامريكي كان خلال النصف الثاني من القرن الماضي اكبر اقتصاد في العالم، وصحيح ايضاً أنه ما يزال اكبر اقتصاد في العالم في بداية القرن الحالي، ونتيجة لذلك فقد ربحت امريكا الحرب الباردة في اواخر القرن الماضي واصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم ولذلك فإن الحديث عن الاقتصاد الامريكي هو بالضرورة حديث عن امريكا سياسياً وثقافياً واجتماعياً.
لا ينكر احد بأن احد اهم اسباب انتصار امريكا في الحرب الباردة هو تقدم اقتصادها ولن يجادل احد ايضاً بأن بقاء الولايات المتحدة كقوة عظمى في القرن الحالي سواء وحيدة او بالمشاركة مع دول اخرى مرهون باستمرار تطور اقتصادها.
ولذلك فإن متابعة التطورات الاقتصادية مهم لمعرفة مستقبل امريكا وبالتالي مستقبل العالم لكن ينبغي الاّ تدفعنا عواطفنا الى قراءة ذلك قراءة مغلوطة وغير صحيحة.
يبدو لي ان ذلك ما حدث فعلاً في الآونة من بعض المهتمين، فقد اثار ظهور بعض البيانات الاولية حول تراجع معدل النمو الاقتصادي في امريكا في الاسبوع الماضي العديد من الاستنتاجات.. وعلى وجه التحديد فقد حظيت تلك البيانات التي اشارت الى تعديل تقديرات معدل النمو الاقتصادي الامريكي من 1.3٪ الى 0.6٪ في الربع الاول من هذا العام بتعليقات واستنتاجات العديد من الجهات المهتمة بالشأن الامريكي في العالم العربي.
ومن وجهة نظري فإن بعض هذه الاستنتاجات كانت بالفعل غريبة وغير منطقية.. انني اشير هنا الى استنتاجات مثل قرب انهيار الاقتصاد الامريكي وما سيترتب على ذلك من تداعيات على الاقتصاد العالمي.
ومن الغريب ان العديد من المتابعين للشأن الامريكي في العالم العربي قد هلَّل لهذه الاستنتاجات واعتبرها بشائر كبرى ينبغي على العالم العربي الابتهاج لها.
لقد دفعتني هذه الانطباعات غير المبنية على اساس قوي الى كتابة هذا المقال اذ انه: اولاً ينبغي التنبيه الى ان هذه البيانات هي في الحقيقة تقديرات أولية، وثانياً حتى لو تأكدت فإنها لا تعني بأي حال بأن الاقتصاد الامريكي على وشك الانهيار.. وثالثاً فإن الانهيار الاقتصادي الامريكي في تحققه ولا سمح الله ليس في صالح العرب والمسلمين. فمن المسلم به في علم الاقتصاد ان اي اقتصاد في العالم متقدم او متخلف يمر بمراحل متعددة تتراوح بين الرواج والكساد مروراً بالركود والانتعاش.. ولذلك فمن المتوقع اقتصادياً ان ينخفض معدل النمو الاقتصادي عن المعدل المتوقع او ان يزيد عليه في اي دولة من الدول بما في ذلك امريكا.. ان حدث انخفاض في معدل النمو بهذه النسبة في حد ذاته لا يعني بأي حال من الاحوال قرب الانهيار الاقتصادي.
فكل من يدرس الاقتصاد الامريكي خلال النصف الثاني من القرن الماضي سيلاحظ انه قد دخل في دورات مماثلة لكنها كانت تتميز بالقصر فقد كان الاقتصاد الامريكي قادراً على تجاوز اي تطورات سلبية بشكل سريع جداً. ولذلك فقد نجح الاقتصاد الامريكي في البقاء على رأس الاقتصاديات العالمية طوال تلك المدة فقد تعرض الاقتصاد الامريكي لهزة كبرى في الفترة من 1929 - 1939م والتي اطلق عليها افترة الكساد الكبير، فخلال عام واحد في بداية الكساد انخفض الناتج المحلي الاجمالي من 87 ملياراً الى حوالى 40 مليار دولار.. ولا شك ان ذلك كان كارثة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
لقد ترافق مع ذلك انخفاض متوسط نصيب الفرد من الدخل والى تصاعد كبير في معدلات البطالة وإلى افلاس العديد من المؤسسات الاقتصادية.
ومع ذلك فقد استطاع الاقتصاد الامريكي النهوض من جديد ففي الفترة من 1939 - 1945م زاد الناتج المحلي الاجمالي بحوالى 250٪ اي بمائتين وخمسين في المائة وهي اعلى نسبة نمو سجلت في اي اقتصاد في العالم حتى اليوم.
واستمر الاقتصاد الامريكي بعد ذلك ينمو بمعدلات مرتفعة فاقت معدلات النمو المحقق في اقتصاديات كل الدول المتقدمة والمتخلفة الاخرى.. ففي الفترة 1960م - 1965م نما الاقتصاد الامريكي بحوالى 36٪ واستمر في النمو بعد ذلك وان كان بمعدلات اقل قليلاً حتى فترة التسعينات وبعدها شهد بعض التراجع في معدلات نموه لكن ظلت هذه المعدلات موجبة واستمر التراجع في معدلات النمو لفترات قصيرة جداً لا تتجاوز السنة او السنتين. ان استعراض بعض المؤشرات الاخرى يدل دلالة قوية على ان الاقتصاد الامريكي راسخ الجذور وليس فقاعة فقد كان متوسط نصيب الفرد من الدخل المحلي الاجمالي على النحو التالي (3.319) دولاراً في عام 1950م و(5.620) دولاراً في عام 1960م و(9.867) في عام 1970م و(42.000) دولار في عام 2005م، وبلغ الناتج المحلي الاجمالي في عام 2006م حوالى 12.3 تليريون دولار، في حين ان سكانها لا يتجاوزون (298) مليون نسمة.
لقد تمكن الاقتصاد الامريكي من تحقيق ذلك لانه يتمتع بميزتين اساسيتين وكبيرتين هما: مرونة نظامه السياسي وتركيزه على المعرفة.
لقد تم تصميم النظام السياسي الامريكي بشكل مختلف عن الانظمة الاخرى في العالم وخصوصاً الانظمة السياسية في اوروبا.. فالحكومة الامريكية هي ضرورية للشعب الامريكي وليس كما كان عليه الحال في اجزاء كبيرة في اوروبا حيث كان الشعب ضرورياً للملك.
ولذلك فقد كان الدستور الامريكي يحتوي على قيود كثيرة على الحكومة وقيود أقل على الافراد وقد نتج عن ذلك ان أعطى النظام السياسي للفرد حرية اكبر من تلك التي اعطاها للمؤسسات الحكومية.. وكذلك فإن الحرية التي اعطاها للحكومات المحلية كانت اكبر من تلك التي اعطاها لحكومات الولايات وتلك التي اعطاها لحكومة الولايات اكبر من تلك التي اعطاها للحكومة المركزية.
الفرد الامريكي يمتلك حرية أكبر ومسؤولية اكبر من نظيره الاوروبي فالتعليم مجاني حتى الثانوية فقط، الجامعات تديرها المؤسسات الاهلية والخاصة وكذلك حال المستشفيات تتدخل الدولة لدعم المواطنين العاجزين في حالات معينة.. الضمان الاجتماعي محدود وفي المقابل فإن الضرائب في امريكا اقل منها في أي دولة أوروبية. ولأن الفرد يمتلك هذه الحرية وخصوصاً في الجانب الاقتصادي ويتحمل هذه المسؤولية فإنه يعمل بجد ولا يركن على حكومته.. لذلك فإن الاقتصاد الامريكي يتمتع بمرونة عالية هذه المرونة نابعة من الابداع الذي يتحقق لعدم وجود اي عائق أمامه.
أما الميزة الثانية فتتمثل في تركيز المجتمع الامريكي على المعرفة اكثر من غيره فقد مكنه نظام التعليم البعيد عن بيروقراطية الدولة من الاستفادة من كل جديد.. ومن المسلم به أن إنفاق المجتمع الامريكي على الابحاث والتطوير يفوق بكثير ما تنفقه الدول الاوروبية على ذلك ولقد ترتب على ذلك ان معظم الحائزين على جائزات نوبل في مختلف فروع المعرفة هم الأمريكيون.. تتصدر مراكز البحث الامريكية غيرها من المراكز سواء من حيث عدد العاملين فيها أو عدد الابحاث المنجزة والمنشورة.
وبالاضافة الى ذلك فإن سياسات الهجرة الأمريكية قد ربطت بشكل كبير بالجانب المعرفي.. فبفضل ذلك فإنه يتم كل عام جذب العديد من العقول الكبيرة من مختلف انحاء العالم ومن مختلف الثقافات.
فمنذ منتصف القرن الماضي والشركات الامريكية والمنتجات الامريكية تنتشر في جميع انحاء العالم، صحيح انها تواجه في الوقت الحاضر بعض المنافسة من بعض الدول مثل اليابان أو اوروبا والصين.. لكن امريكا قد نجحت في تقليل أثر هذه المنافسة على اقتصادها انها تركت الصناعات غير المتقدمة لهذه الدول وطورت لنفسها بدائل اخرى في المجالات الاكثر تقدماً اي انها قد سمحت للدول الاخرى في اخذ تلك الصناعات التي لم يعد الاقتصاد الامريكي يرغب فيها.
إن الاقتصاد الامريكي قد استطاع ان يواجه هذه المنافسة من خلال الانتقال الى مجالات جديدة اكثر تقدما بعد أن ترك تلك المجالات الاقل تقدما للدول الأخرى. لازال الاقتصاد الامريكي يحتكر ثورة المعلومات (الانترنت) وتكنولوجيا الاسلحة الذكية فغالبية الشركات العالمية الكبرى العابرة للقارات مملوكة بواسطة الامريكيين وتلك التي يملكها غيرهم فإن الامريكيين هم الذين يديرونها أو على الاقل يحتلون نسبة كبيرة من قياداتها العليا. ان انهيار الاقتصاد الامريكي ليس في صالح العرب فامريكا لا زالت اكثر المستهلكين للبترول في العالم واكثر الدول المصدرة للتقنية والمعرفة، والدول العربية هي اكبر الدول مصدرة للبترول والمحتاجة للتقنية والمعرفة.. صحيح ان اليورو قد بدأ في منافسة الدولار كعملة عالمية ولكنه في الوقت الحاضر قد حل فقط بدلاً عن الين والمارك والفرنك فلازال الدولار هو المسيطر وسيظل مسيطراً في المستقبل المنظور لانه ببساطة ليس من مصلحة الدول التي تتعامل به التخلي عنه بسرعة ففي هذه الحالة فإنها ستكون هي الخاسر الأكبر اي أن اي خسائر امريكية من تطور كهذا سوف تعوضه من خلال المكاسب التي ستحققها من خلال انخفاض القيمة الحقيقية للديون التي عليها للعالم الخارجي.
لذلك فإنه يمكن القول بأن الاقتصاد الامريكي ليس على وشك الانهيار وان علينا نحن العرب ان نتمنى انهياره لأننا سنكون اكبر الخاسرين.